محمد بن إسماعيل الكحلاني الصنعاني ( الأمير )
21
سبل السلام
وجه آخر عن عائشة رضي الله عنها قالت : كانت امرأة تستعير المتاع وتجحده فأمر النبي ( ص ) بقطع يدها ) . الخطاب في قوله أتشفع لأسامة بن زيد كما يدل له ما في البخاري أن قريشا أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت ، قالوا : من يكلم رسول الله ( ص ) ومن يجترئ عليه إلا أسامة حب رسول الله ( ص ) ؟ فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أتشفع - الحديث وهذا استفهام إنكار ، وكأنه قد سبق علم أسامة بأنه لا شفاعة في حد . وفي الحديث مسألتان : الأولى : النهي عن الشفاعة في الحدود ، وترجم البخاري في بباب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان ، وقد دل لما قيده من أن الكراهة بعد الرفع ما في بعض روايات هذا الحديث . فإنه صلى الله عليه وسلم قال لأسامة لما تشفع لا تشفع في حد فإن الحدود إذا انتهت إلي فليس بمتروكة . وأخرج أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده يرفعه تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب وصححه الحاكم . وأخرج أبو داود والحاكم وصححه من حديث ابن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من حالت شفاعته دن حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره وأخرج ابن أبي شيبة من وجه أصح عن ابن عمر موقوفا ، وفي الطبراني من حديث أبي هريرة مرفوعا بلفظ فقد ضاد الله في ملكه . وأخرج الدارقطني من حديث الزبير موصولا بلفظ اشفعوا ما لم يصل إلى الوالي فإذا وصل إلى الوالي فعفا فلا عفا الله عنه . وأخرج الطبراني عن عروة بن الزبير قال : لقي الزبير سارقا فشفع فيه فقيل : حتى يبلغ الامام فقال : إذا بلغ الامام فلعن الله الشافع والمشفع قيل : وهذا الموقوف هو المعتمد . وتأتي قصة الذي سرق رداء صفوان ورفعه إليه صلى الله تعالى عليه وسلم ثم أراد أن لا يقطعه فقال صلى الله عليه وسلم : هلا قبل أن تأتيني به ويأتي من أخرجه . وهذه الأحاديث متعاضدة على تحريم الشفاعة بعد البلوغ إلى الامام وأنه يجب على الامام إقامة الحد ، وادعى ابن عبد البر الاجماع على ذلك ، ومثله في البحر . ونقل الخطابي عن مالك أنه فرق بين من عرف بأذية الناس وغيره فقال : لا يشفع في الأول مطلقا وفي الثاني تحسن الشفاعة قبل الرفع . وفي حديث عن عائشة أقيلوا ذوي الهيئات إلا في الحدود ما يدل على جواز الشفاعة في التعزيرات لا في الحدود ، ونقل ابن عبد البر الاتفاق على ذلك . المسألة الثانية في قوله : كانت امرأة تستعير المتاع وتجحده وأخرجه النسائي بلفظ استعارت امرأة على ألسنة ناس يعرفون وهي لا تعرف ، فباعته وأخذت ثمنه وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح إلى أبي بكر بن عبد الرحمن أن امرأة جاءت فقالت : إن فلانة تستعير حليا فأعارتها إياه فمكثت لا تراه فجاءت إلى التي استعارت لها فسألتها فقالت : ما استعرتك شيئا فرجعت إلى الأخرى فأنكرت فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فدعاها فسألها فقالت : والذي بعثك بالحق ما استعرت منها شيئا فقال : اذهبوا إلى بيتها تجدوه تحت فراشها فأتوه وأخذوه فأمر بها فقطعت . والحديث دليل على أنه يجب القطع على جحد العارية . وهو مذهب أحمد وإسحاق والظاهرية . ووجه دلالة الحديث على ذلك واضحة فإنه صلى الله عليه وسلم رتب القطع على جحد العارية . وقال ابن دقيق العيد : إنه لا يثبت الحكم المرتب على الجحود